قصة

القديس مار شربل.. سكران بالله

 
 

ولد القديس شربل في 8 أيار من عام 1828في بقاعكفرا جارة قاديشا وأرز الرب، وهي أعلى قرية في لبنان، والده أنطون مخلوف ووالدته بريجيتا الشدياق اللذان عُرفا بالتقوى وعبادة الله. عند تمام اليوم الثامن من ولادته، عُمّد في كنيسة سيّدة بقاعكفرا وسمّي يوسف. وفي سنة مولده، وضع حجر الأساس لدير مار مارون - عنايا. ترك يوسف بيت والديه في سن الثالثة والعشرين وقصد الترهّب في الرهبانية المارونية اللبنانية. دخل سنة ابتدائه الأولى 1851-1852 في دير سيدة ميفوق أحد أجمل أديرة الرهبانية المارونية اللبنانية، هذه السنة لم تكن سوى مرحلة إعدادية للقديس شربل ليتوجّه بعدها إلى دير مار مارون - عنايا لكي يستعدّ مباشرة لإبراز نذوره الأولى. كانت سنة الابتداء الثانية في دير عنايا شبيهة بالأولى، غير أنها تميّزت عند شربل بجهد أوفر في التمرّس بالكفر بالنفس (أي مغالبة الأهواء ومقاتلة التجارب وإماتة الحواس وتذليل البدن دون رفض التضحية وإن شقّت على الطبيعة البشرية).

وفي نهاية السنة الثانية بعدما أبرز شربل نذوره، ألبس الأب الرئيس شربل ثوب الرهبانية فانضمّ نهائياً إلى جماعة السائرين في طريق المشورات الإنجيلية. بعد ذلك، سافر شربل برفقة أحد زملائه إلى دير كفيفان، حيث قضى ست سنوات في دراسة الفلسفة واللاهوت وتربّى على أيدي رهبان قديسين، كالأب نعمة الله الحرديني، المعروف بقديس كفيفان، والأب كسّاب الحرديني. جنى القديس شربل خلال سنوات دراسته الستة، حبّاً عميقاً للأسفار الإلهية التي أضحت مناراً لحياته الروحية، وبعد سنة على وفاة معلّمه الأب كسّاب الحرديني، رُسِم شربل كاهناً في بكركي في 23 تموز 1859 وكان آنذاك في 31 من عمره. هنا، تلقّى الأب شربل أمراً بالعودة إلى دير مار مارون - عنايا، حيث بقي 16 عاماً قبل اعتزاله نهائياً في المحبسة على قمة جبل "التجلّي". خلال الأعوام الـ 16، تمرّس الراهب شربل بأسمى الفضائل الرهبانية ولا سيما فضيلتي التواضع والطاعة.وقد أجرى الله على يده في الدير آيات باهرة منها "آية السراج" الذي ملأه له الخادم ماء بدل الزيت، وبقوة إيمانه بالله أضيئت له كل ساعات صلاته الليلية. عندما أتمّ العام السادس عشر، طلب من رؤسائه، بإلهام من الله، الاستحباس في محبسة دير عنايا، فأذنوا له بذلك عام 1875، حيث قضى فيها 23 سنة، وأطلق العنان في المحبسة لكل رغائب قلبه سخيّ العطاء، فضاعف أعماله التقشفية وزاد شغفاً بالتأمل والصلاة والاستغراق بالله، حتى أصبح "إنساناً سكراناً بالله".

ومن تقشفاته أنه كان يركع على طبق من قصب ذي حروف شائكة، ويلبس المسح على جسده، وينام قليلاً ويصلّي كثيراً، ويعمل في الحقل عمل اليد بموجب قانون الحبساء. وما لبث أن انتشرعُرف قداسته، فأخذ الناس يقصدونه لينالوا بركته ويلتمسوا منه شفاء أمراضهم وخصب مواسمهم. وفي عام 1898 خلال الأسبوع السابق لعيد الميلاد، شرع الحبيس يتلو القدّاس كعادته، فما أن تلا كلام التقديس ورفع الكأس والقربان، تالياً صلاة "يا أبا الحق"، حتى أصابه عارض الفالج، فاستمرّ رافعاً الكأس والقربان وأصابعه متشنجة عليه، إلا أن رفيقه الأب "مكاريوس" تمكّن من نزع الكأس والقربان من يديه وحمله إلى غرفته. قاسى الأب شربل أوجاعاً مرّة مدّة 8 أيام، دون أن ينقطع عن إتمام قدّاسه، إلى أن أسلم روحه بكل هدوء مساء عيد الميلاد عام 1898. دُفِنَ الأب شربل في مقبرة الدير العمومية، وقد شاهد أهل الجوار ليلة دفنه نوراً يتلألأ فوق ضريحه، وتكرّر ظهور النور طوال 45 ليلة، ولكثرة الخوارق، أذِن البطريرك الياس الحويك بفتح قبره، فوُجدَ جسمهُ سالماً من الفساد، وجرى من خاصرته دم ممزوج بماء، وأخذ جثمانه ينضح عرقاً دموياً. أُعيد جثمانه إلى قبر جديد عام 1926.

وفي العام 1950، كشفت على الجثمان لجنتان طبيّة وكنسية، وأكّدتا أن جثمانه سليم صحيح كما كان قبلاً، مغموراً بدمه الراشح منه. وانتشر خبر هذه الظاهرة، فتهافت الناس ألوفاً إلى الدير، فتكاثرت حول الضريح حوادث الشفاء من أمراض متنوعة ومستعصية، فضجّ لبنان والعالم بأخبار هذه الحوادث الخارقة، وتماوج الزوار في أروقة الدير كبحر زاخر، مصلين، تائبين وخاشعين. في عام 1965، في ختام المجمّع الفاتيكاني الثاني، رفعه قداسة البابا بولس السادس إلى شرف الأكرام على المذابح وأحصاه في مصاف الطوباويين، كما شُيّدت على اسمه كنيسة في عنايا بالقرب من ضريحه، تُعدّ اليوم من أجمل الكنائس في الشرق. وأعلن قداسة البابا بولس السادس نفسه الطوباوي شربل قديساً في التاسع من شهر تشرين الأول 1977. وحتى اليوم نسمع ونلمس العجائب التي يقوم بها القديس شربل لكل المؤمنين والمؤمنات من جميع الطوائف الدينية.

 

صلاة إلى القديس شربل

أيها الإله الممجّد بقدّيسيه مجداً لا نهاية له، يا من استهويتَ قلب الأب شربل فاعتنق الحياة النسكيّة، ومنحته النعمة والقدرة على التجرّد عن العالم، بالفضائل الرهبانية، العفة، الطاعة والفقر: نسألك أن تمنحنا نعمة أن نحبّك ونخدمك كما أحبّك هو وخدمكَ. أيها الإله القدير، يا من أذعت قوة شفاعة القديس شربل بعجائب ونِعم شتى، امنحنا بشفاعته النعمة التي نلتمسها، فنشكرك ونمجدك إلى الأبد. آمين.

 

الجمعة، 15 كانون الأوّل 2017
|| المصدر: مجلة رانيا
Facebook
Twitter
Linkedin

أضف تعليقاً

الأسم *
البريد الإلكتروني *
التعليق *
كود السرّيّة *
(*) كود السرّيّة يهدف لحماية الزائر/العضو والموقع في نفس الوقت

تعليقات الزوار

    إن موقع مجلة "رانيا" لا يتحمل مسؤولية التعليقات وهو غير مسؤول عنها.

صورة وخبر

MEA تحتلّ المركز الثاني بين أفضل شركات الطيران في الشرق ...

صحة وتجميل

الأخصائي في جراحة المنظار والبدانة الدكتور أنطوان كاشي:  لبنان في المراتب المتدنية عالمياً على مستوى البدانة
الأخصائي في جراحة المنظار والبدانة الدكتور أنطوان كاشي: ...

تقرير

العجز المائي سيصل إلى 610 ملايين متر مكعب عام 2035
العجز المائي سيصل إلى 610 ملايين متر مكعب عام 2035 ...
 
 
 
 
 
 
 
 
  • Facebook
  • Twitter
  • Insatgram
  • Linkedin
 
Address:
Beirut, Dekwaneh, Fouad Shehab Road, GGF Center, Block A, 3rd Floor

Phone: +961 1 484 084
Fax: +961 1 484 284

Email:
rania_magazine@hotmail.com info@raniamagazine.com
RANIA MAGAZINE

RANIA MAGAZINE was first issued at the beginning of year 2002 as a monthly magazine; it is distributed in Lebanon and the Arab countries.

RANIA MAGAZINE is concerned with economic, development, social and health affairs, news of municipalities, ministries and banks…
 
جميع الحقوق محفوظة @2018 لِمجلّة رانيا | برمجة وتصميم Asmar Pro